ابن عابدين

502

حاشية رد المحتار

مطلب فيمن حج بمال حرام قوله : ( كالحج بمال حرام ) كذا في البحر ، والأولى التمثيل بالحج رياء وسمعة ، فقد يقال : إن الحج نفسه الذي هو زيارة مكان مخصوص الخ ليس حراما ، بل الحرام هو إنفاق المال الحرام ، ولا تلازم بينهما ، كما أن الصلاة في الأرض المغصوبة تقع فرضا ، وإنما الحرام شغل المكان المغصوب لا من حيث كون الفعل صلاة . لان الفرض لا يمكن اتصافه بالحرمة ، وهنا كذلك فإن الحج في نفسه مأمور به ، وإنما يحرم من حيث الانفاق ، وكأنه أطلق عليه الحرمة لان للمال دخلا فيه ، فإن الحج عبادة مركبة من عمل البدن والمال كما قدمناه ، ولذا قال في البحر : ويجتهد في تحصيل نفقة حلال ، فإنه لا يقبل بالنفقة الحرام كما ورد في الحديث ، مع أنه يسقط الفرض عنه معها ولا تنافي بين سقوطه وعدم قبوله ، فلا يثاب لعدم القبول ، ولا يعاقب عقاب تارك الحج اه‍ . أي لأن عدم الترك يبتني على الصحة : وهي الاتيان بالشرائط ، والأركان ، والقبول المترتب عليه الثواب يبتني على أشياء كحل المال والاخلاص ، كما لو صلى مرائيا أو صام واغتاب فإن الفعل صحيح لكنه بلا ثواب ، والله تعالى أعلم . قوله : ( ممن يجب استئذانه ) كأحد أبويه المحتاج إلى خدمته ، والأجداد والجدات كالأبوين عند فقدهما ، وكذا الغريم لمديون لا مال له يقضي به ، والكفيل لو بالاذن ، فيكره خروجه بلا إذنهم كما في الفتح ، وظاهره أن الكراهة تحريمية ولذا عبر الشارح بالوجوب ، وزاد في البحر عن السير : وكذا إن كرهت خروجه زوجته ومن عليه نفقته اه‍ . والظاهر أن هذا إذا لم يكن له ما يدفعه للنفقة في غيبته قال في البحر : وهذا كله في حج الفرض ، أما حج النفل فطاعة الوالدين أولى مطلقا كما صرح به الملتقط . قوله : ( حتى يلتحي ) وإن كان الطريق مخوفا لا يخرج وإن التحى . بحر عن النوازل . قوله : ( على الفور ) هو الاتيان به في أول أوقات الامكان ، ويقابله قول محمد : إنه على التراخي ، وليس معناه تعين التأخير بل بمعنى عدم لزوم الفور . قوله : ( وأصح الروايتين ) لا يصلح عطفه على الثاني ، فهو خبر مبتدأ محذوف ، وقوله : عند الثاني خبر مبتدأ محذوف أي هذا عند الثاني ، فقوله وأصح عطف عليه ، فافهم . قوله : ( ومالك وأحمد ) عطف على الامام فيفيد اختلاف الرواية عنهما أيضا ، وعبارة شرح درر البحار تفيده أيضا حيث قال : وهو أصح الروايات عن أبي حنيفة ومالك وأحمد ، فافهم . قوله : ( أي سنينا الخ ) ذكره في البحر بحثا ، وأتى بسنين منونا لأنه قد يجري مجرى حين ، وهو عند قوم مطرد . قوله : ( إلا بالاصرار ) أي لكن بالاصرار ، فهو استثناء منقطع لعدم دخول الاصرار تحت المرة ح . ثم لا يخفى أنه لا يلزم من عدم الفسق عدم الاثم فإنه يأثم ولو بمرة . وفي شرح المنار لابن نجيم عن التقرير للأكمل أن حد الاصرار إن تتكرر منه تكررا يشعر بقلة المبالاة بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك اه‍ . ومقتضاه أنه غير مقدر بعدد بل مفوض إلى الرأي والعرف ، والظاهر أنه بمرتين لا يكون إصرارا ولذا قال : أي سنينا ، فقوله في شرح الملتقى : فيفسق وترد شهادته بالتأخير عن العام الأول بلا عذر غير محرر ، لان مقتضاه حصوله بمرة واحدة فضلا عن المرتين ، فافهم . قوله : ( ووجهه الخ ) أي وجه كون التأخير